146

تاريخ الأفكار- الرأسمالية

اليوم، كل اقتصاد تقريبًا في العالم منظم على أسس رأسمالية

ولكن في الوقت نفسه، يتم النظر إلى الرأسمالية في كل مكان تقريبًا بخيبة أمل وإحباط وريبة

ومن المثير للاهتمام أنه لا شيىء من الانتقادات جديد، لقد كانوا يلاحقون الرأسمالية منذ بدايتها

لذا دعونا نلقي نظرة على الماضي لمعرفة كيف اكتسبت الرأسمالية مدلولها السلبي

وما يمكن القيام به لتحسينه. في بادو قرب البندقية بإيطاليا، عام 130، على حائط كنيسة

رسم الفنان جويتو لوحة فرسكو التي تضم المسيح ومقرضي المال مؤكدًا ترسيخ فكرة في الفترة التي عاش فيها لقرون في الغرب

فكرة أن الحياة الروحية عدوها اللدود السعي وراء العمل والمال. يذهب المسيح إلى معبد في القدس

ويرى تجارًا ومصرفيين صغارًا يتزاحمون على الفناء الأمامي، فيغضب

هذا المكان المقدس ليس ساحة مناسبة لأنشطة الشراء والبيع الملوثة

يهاجم المسيح فساد المال المؤثر بعمق والذي يعيق بشده تطور الرأسمالية لقرون

في البندقية عام 1450، نشر الراهب فرنسيسكان لوكا باتشيولي أول كتبه عن المحاسبة: ملخص الحساب

إنه أول وأكثر الاختراعات الرأسمالية أهمية حتى ولادة الشركة المساهمة والمصنع الحديث

يقدم باتشيولي في الكتاب مبادىء محاسبة الدخل المزدوج، والتي أصبحت تدريجيًا الممارسة القياسية

في جميع الشركات. يقترح كتاب باتشيولي أن التعامل الجيد مع المال لم يعد يعتمد على الإيمان بعد الآن

المال ليس عقابًا إلهيًا ولا مكافأة، ولكنه نوع من العلوم التي يمكن تعلمها بالصبر والمنطق والعمل الجاد

في جنيف عام 1555، أكد جون كالفن اللاهوتي البروتستانتي في خطب قوية لجماعته السويسرية

أهمية ما أصبح معروفًا بالفضائل البروتستانتية مثل العمل الجاد ونكران الذات والصبر

والصدق والواجب لأنهم سيصبحون صفات مفيدة جدًا للرأسمالية. فسر كالفن والعديد من الوعاظ الآخرين

الذين يتشاركون نظرته ذلك بأنه لا يجب عليك تدلل نفسك و تنفق الأموال وتعيش حياة فاخرة

عليك ببساطة إعادة أي دخل إضافي إلى عملك كاستثمار، وأضاف كالفن أن كونك ماهرًا في العمل

هو أكثر إرضاءً بكثير في نظر الله من كونك محاربًا ارستقراطيًا أو حتى راهبًا، أكثر ربما من التكنولوجيا

وهي عقلية جديدة ستعجل تقدم الرأسمالية. في دلفت، الجمهورية الهولندية، عام 1670،

الجمهورية الهولندية المستقلة حديثًا أول أمة رأسمالية جلية تحتقر الأرستقراطيين الكسولين، وتوقر التجار العاملين بجد

في الكنائس، تم الاستماع إلى الخطب البروتستانتية عن التوفير والعمل الجاد

أما في الفنون، فتمجد الملوك والملكات. أنهى جونس فيرمير لوحته ليسميكر

التي تصور مهام صناعة الدانتيل المنزلية المعقدة جدًا. في لوحته ذا ليتل ستريت،

يقترح أن العيش بسلام وهدوء في المنزل وإدارة عمل أكثر فتنة ونبلًا من القتال

في الحرب أو الذهاب إلى الدير. عام 1776، في ستراند بلندن ، كان يوجد 141 مكتب ومحل لستراين وكابل، وهما

ناشرون يتمتعون بنجاح كبير بفضل نشر الكتاب الجديد: تحقيق في طبيعة وأسباب ثراء الأمم

الذي كتبه الفيلسوف الإسكتلندي أدم سميث. أزال سميث الغموض عن

بناء الثروة عن طريق توضيح طريقة نمو الاقتصاد الرأسمالي، ووصل إلى عدة استنتاجات مهمة

العبودية ليست فعالة بشكل ملحوظ، العنف أقل حافزًا من المال بالنسبة للعامل

وتكلفة شراء العبيد والحفاظ عليهم تتعدى بكثير تكلفة أجورهم

سيجني الرأسماليون مالاً أكثر بكثير عندما يعاملون العمال بطريقة قانونية وإنسانية

وذلك عن طريق التخصص في نمو الاقتصاد، كما قال سميث. ركز سميث على صناعة الدبابيس وخلص إلى أنه

بينما يقوم عامل واحد بصناعة حتى 20 دبوسًا في اليوم، يستطيع فريق مكون من 10 عمال منظمين

صناعة 48000 دبوسًا وليس 200 فقط بفضل ما أطلق عليه سميث اسم تقسيم العمل

أخبرنا سميث أيضًا أن يدًا خفية توجه الرأسمالية. بتحقيق أقصى قدر من الاستفادة

يفيد الأفراد دون قصد المجتمع، ويقدمون المتاع الذي يريده الناس ويحتاجونه

كما قال سميث: "لسنا نتوقع عشائنا من إحسان الجزار ولا صانع الجعة ولا الخباز، ولكن من

احترامهم لمصلحتهم الذاتية. " تزيل هذه الأفكار الشكوك الأخلاقية التي أحاطت الرأسمالية فيما مضى

لكن لن يفوز الجميع. عام 1845 في لندن، أصبح الاقتصاد البريطاني هو الأكبر في العالم بفضل صناعات

القطن وبناء السفن والصلب والفحم الضخمة. دمرت المدن الكبيرة ريف مدلندز وشمال إنجلترا

انتصر التجار والطبقة الرأسمالية الجديدة، ولكن غضب الكثيرون مثل تشارلز ديكنز، واحد من

أكثر نقاد العصر الفيكتوري غضبًا تجاه الرأسمالية المفرطة، نشر رواية هارد تايمز

التي تبدأ أحداثها في بلدة كوكتاون الخيالية وهي نسخة من مدينة مانشستر

تستهدف الرواية الرأسماليين عديمي الرحمة مثل السيد جرادجرايند الذي يؤذي عماله، ويستغل

الأطفال الصغار ليعملوا في المناخم والمداخن مستخدمًا منطقهم الرأسمالي الذي لا هوادة فيه

ليعمي أبصارهم عن هلاك طبيعتهم وحياتهم الإنسانية. إليكم ما كتبه ديكنز عن كوكتاون: " إنها

بلدة الطوب الأحمر، أو الطوب الذي كان سيكون أحمر إذا سمح له الدخان والرماد بذلك

ولكن كما بدت الأمور، كانت بلدة حمراء وسوداء غير طبيعية كوجه شخص وحشي تم صبغه."

يجادل ديكنز موضحًا أن الرأسمالية فاسدة لأنها تشجع المنتجين على استغلال ظروف مروعة

تحت سطوة منطق رأسمالي، ومن ناحية أخرى سيستمر أناس لطفاء في طرح الأسباب

التي تبرر تشغيل طفل في المصنع أو تترك للفقراء يموتون جوعًا بمجرد وصولهم لنهاية

حياتهم العملية. عام 1860 في لندن، نشر المصلح الإنجليزي جون راسكن حتى هذا الأخير، وهو

مجاز محتد ضد الرأسمالية لا يهدف كثيرًا إلى جانب الرأسمالي الإنتاجي، ولكن إلى جانبها الاستهلاكي

راسكن (مثل ديكنز) غاضب من استغلال الناس وتدمير البيئة، لكنه طرح سؤالًا آخر

باسم من؟ يلاحظ راسكن أن الثروات الرأسمالية الكبيرة تٌبني على بيع الناس لأشياء سخيفة

كالحلية التافهة والصحون الملونة والمناديل المطرزة والأغطية وبوفيهات منحوتة

ما يعزز كل معاناة مصانع القطن في مانشستر هو رغبتنا في القمصان الرخيصة جدًا

ذي الياقات الرقيقة. نحن ندمر حياتنا لأجل الحلي، بينما بالنسبة لراسكن

لا يجب فقط جني المال بطريقة أخلاقية، ولكن يجب أيضًا إنفاقه بطريقة أخلاقية على الأشياء

النبيلة والجميلة التي يحتاجها الناس، كما قارن جمال البندقية بقبح بريطانيا الحديثة

لتوضيح فكرته. في برلين عام 1963، أطلق والتر أولبريشت، القائد الشيوعي لألمانيا الشرقية،

مخططًا طموحًا جديدًا: النظام الاقتصادي الجديد NÖS. يسعى المخطط إلى حل نقطتي الفشل الرئيستين للرأسمالية للألمالنيين الشرقيين

في نظره، الأول: أنه سيضمن للعاملين ظروف جيدة مع توسع ضخم في عدد مدارس الولاية

والأحياء السكنية ومعسكرات الأجازة، وثانيًا: لن يركز على إنتاج الأشياء الرخيصة الرأسمالية

كالجينز الأزرق وموسيقى البوب، ولكن سيعطي الناس أعمال أفلاطون وماركس

وبرامج تليفزيونية راقية عن مسار الإنتاج. عام 1976 في دريسدن بشرق ألمانيا،

وصلت أخطاء الشيوعية الفادحة إلى ذروتها في يناير مع أعمال شغب هائلة بسبب عدم توفر القهوة

يحب الألمانييون الشرقيون احتساء القهوة، ولكن الإرتفاع الكبير في الأسعار العالمية يعني أن

الجمهورية الألمانية الشرقية لم تعد قادرة على تحمل التكاليف استيراد الكميات الكافية

وقرر المكتب السياسي إزالة جميع أنواع القهوة من المحلات، واستبدالها بمزيج القهوة (mich Kaffee)

والذي يحتوي 51% منه فقط على القهوة و49% على مجموعة مكونات بما في ذلك

الهندباء والجاودار وسكر الشمندر. وجب إخماد عدم الرضا عن هذا في النهاية

باستخدام قوات الأمن الداخلي أو الشرطة السرية، إنها ضريبة الرأسمالية غير المقصودة

لكنها جيده بشكل خاص في إمدادنا بكماليات الحياة الصغيرة. في السوق الضخم في إديكا قرب هامبورج

في نوفمبر 1989، توجه الألمان الشرقيون مؤخرًا عقب اختراق الجدار بينهم وبين ألمانيا مباشرة إلى

محلات السوبر ماركت الألمانية الغربية مثل إديكا، وتعجبوا من القدرات الإنتاجية للرأسمالية

وقدرتها على تقديم مثل هذه الأشياء المتواضعة ولكن مهمة جدًا مثل زيت الزيتون

قبعات الحفلات والكعك المثلج والقهوة. النخبة القديمة الألمانية الشرقية، التي اعتقدت

أنه سيتم إرضاء الناس بالفلسفة والملفوف المخلل وألعاب القوى والبرامج التليفزيونة عن الزراعة

تم طردهم خارج مكاتبهم. عام 1999، في سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية، منظمة التجارة العالمية

هيئة الرأسمالية المخصصة لإزالة الحماية من الصناعة واجتماع الأسواق المحررة

معًا في جولة مباحثاتهم التالية بعد عشر سنوات من انهيار الشيوعية وبعد عقد من

النمو الاقتصادي الذي لا مثيل له، لكن على الرغم من تفائل السياسيين

تجمع مئات الآلاف من المتظاهرين المعادين للرأسمالية في الشوارع منادين

بنهاية شرور الرأسمالية العالمية. كانت الشكاوي مشابه بشكل لافت للنظر

تلك التي قام بها المسيح. لا تهتم الرأسمالية بالمنتجين، كما إنها تقلل أهمية نهاية الحياة الروحية

من أجل الهامبرغر وملابس رخيصة بشكل غير مستدام ووسائل إعلام مبهرجة ومشتتة

الكثير من المتظاهرين بلحاهم وحراسهم بدو قليلاً كهيئة المسيح في عصر النهضة.

تصرفت الشرطة بعنف كبير وأطلقت الغاز المسيل للدموع في الحشود وألقت القبض

على ألفين واستدعت الحرس الوطني. يذكر هذا الاحتجاج العالم أنه على الرغم من وجود فائزين في الرأسمالية،

هناك جيش هائل من المحرومين والغاضبين الذين يرون معنى أكبر لرؤية المسيح وديكنز وراسكن

من رؤية آدم سميث وبيل كلينتون. عام 2015 في كبرتينو بكاليفورنيا، أصبحت أجهزة كمبيوتر آبل

رسميًا أكبر شركة في العالم، إنها قصة نجاح كبيرة، ولكن تستمر نفس التحديات

إتضح أن الشركة مسئولة بشكل غير مباشر عن معاناة العاملين وظلمهم في إدارة الإمدادات بالصين

في شركة فوكسكون، ومع إطلاق ساعة آبل، يبدو أن الأداة التي لا تملك استجابة عاجلة بشكل خاص

تكاثرت الأسئلة مرة أخرى حول سبب استنفاد أنفسنا والكوكب لأجل غايات لا تكافىء التكاليف

التي يفرضونها علينا جميعًا. بشكل عام، الرأسمالية منتجة بشكل رائع، ولكن يعيبها شيئان كبيران

الأول أنها تميل بشكل منهجي إلى تجاهل معاناة العاملين إذا لم يتم الحث ضد ذلك بانتظام

وثراء الشركات غالبًا ما يبنى على تلبية رغبات الإنسان غير الضرورية، صناعة الثروات تعتمد

على صناعة طعام غير صحي أو برامج تليفزيونية فاسدة. تحدي المستقبل

هو كيف يمكننا أن نكون قادرين على جني المال بطريقة إنسانية خلال معاملة الناس والأرض جيدًا.

وأيضًا جني المال خلال الأنشطة التي تستهدف المزيد من رغبات الإنسان النبيلة

حتى ذلك الوقت، سيستمر غضب المسيح في المعبد للأبد بشكل دوري