141

هذا الخطاب سيغير حياتك | كارل ساجان

من هذه النقطة المميزة في الفضاء السحيق، قد لا تبدو الأرض ذات أهمية خاصة!

لكن الأمرَ مختلفُ بالنسبةِ لنا

ولنتأمل هنا مرة أخرى عند تلك النقطة

ذلك هُنا!

ذاك موطننا هناك!

وهذا نحن!

علي هذا الوطن..

يوجد كُل من تحب

و كُل شخصٍ تَعرفهُ

و كُلِّ شخصٍ قد سَمِعتَ به في حياتك

و كُلِّ إنسان أياً كان

عاش هنا منذ وجدت البشرية!

هنا يجتمع الإحساس بالسعادة و الإحساس بالألم

و آلاف الأديان، والأيديولوجيات، و المذاهب والطوائف الاقتصادية.

كل صائد و كل بَاحثٍ عن طعام

كل بطل وكل جبان

كل بانٍ للحضارةِ ، و كل مدمر لها

كل ملكٍ جبار و كل عبد مستضعف

كل زوجين من حبيبين شابين غارقين في الحب

كل أم و كل أب

كل طفل مفعم بالأمل

كل مخترع و كل مستكشف

كل مُعلمٍ للأخلاق

و كل سياسي فاسد

و كل نِجم لامع من نجوم الفن

وكل قائد مسؤول

كل قديس و كل خطاء في تاريخ البشرية

عَاش هناك!

على ذرةٍ من غبارٍ ، معلقة في شعاع الشمس.

يُعد كوكب الأرض مرحلةً صغيرة ًجداً في حلبةٍ كونيةٍ شاسعة.

تأمل كل أنهار الدم التي أراقها الجنرالات والأباطرة

في الأمجاد والانتصارات التي مكنتهم من أن يصبحوا أسياد ولفترةٍ وجيزةٍ في جزء من هذه النقطة.

و تأمل الأعمال الوحشية اللانهائية التي مارسها قاطني إحدى أركان هذه النقطة على سكانٍ آخرين يمكن بصعوبة أن نميزهم في ركن آخر.

ترى، ما مدى سوء الفهم بينهم!

وما مدى رغبتهم في قتل بعضهم بعضاً!

وما مدى اشتعال ما بينهم من كراهية!

إن نقطة الضوء الباهتة هذه تقف متحدية أوضاعنا المصطنعة وما نتصوره من أهمية ذاتية، فضلاً عما لدينا من أوهام حول وضعنا المتميز في الكون.

إن كوكبنا عبارة عن بقعةٍ ضئيلة وحيدة في الظلام الكوني الفسيح المحيط بنا.

وفي هذه الظلمة...

وفي وسط هذا الإتساع...

لا يوجد أي إشارة خفية أو حتى تلميح...

بأن المساعدة ستأتي من مكان آخر

لإنقاذنا من أنفسنا!

الأرض هي العالم الوحيد المعروف حتى الآن لإيواء الحياة.

لا يوجد أي مكانٍ آخر على الأقل في المستقبل القريب يُمكنُ لنوعنا الهجرةِ إليه.

-نستطيع أن نزور الكواكب؟ -نعم.

-نتخذها موطناً؟ -لا، ليس حتي الان.

سواء تقبلت أم لا..

الأرض هي المكان الذي نصنع فيه موقفنا و نُظهرفيه مقاومتنا في الوقت الحالي.

قيل سابقاً أن علم الفلك هو تجربة تتسم بالتواضع وبناء الشخصية.

ربما لا يوجد توضيح أفضل على حماقة البشر أكثر من هذه الصورة البعيدة لكوكبنا الصغير.

بالنسبة لي هذا المنظر يؤكد مسؤوليتنا

فهي الوطن الوحيد الذي عرفناه طوال حياتنا!

في التعامل مع بعضنا البعض بمزيدٍ من الرعايةِ والعطف

ومسؤوليتنا في حماية هذه النقطة الزرقاء الباهتة والاعتزاز بها! (النقطة الزرقاء الباهتة: هي صورة فوتوغرافية لكوكب الأرض التقطها المسبار الفضائي فوياجر 1 من مسافة تبعد حوالي 6 مليار كيلومترعن الأرض، كجزءٍ من مجموعة صور للمجموعة الشمسية).